كتب إيميكا أسينوجو، الكاتب والباحث النيجيري، تحليله حول مفارقة سياسية تتكرر عبر التاريخ: تنجح الدول في إسقاط الأنظمة وكسب الحروب، لكنها تعجز عن بناء السلام الذي يليها. ويرى أن الاختبار الحقيقي لا يبدأ مع سقوط الأنظمة أو توقف القتال، بل يبدأ بعد صمت المدافع وبدء مرحلة بناء الدولة واستعادة الاستقرار.


يناقش موقع مودرن غانا في هذا التحليل فكرة جوهرية مفادها أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع دولاً مستقرة، إذ تحتاج مرحلة ما بعد الحرب إلى مؤسسات قوية وشرعية سياسية وقيادة قادرة على إدارة التنوع المجتمعي واحتواء الانقسامات التي تخلفها النزاعات.


العراق وليبيا وأفغانستان.. انتصارات عسكرية وهزائم سياسية

 

يكشف الكاتب أن تجارب عديدة أثبتت أن إسقاط الأنظمة لا يقود بالضرورة إلى الديمقراطية أو الاستقرار. ففي العراق، أطاحت الولايات المتحدة وحلفاؤها بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين سريعاً، لكن انهيار المؤسسات وتفكيك الجيش فجّرا صراعات طائفية واسعة. أدى غياب إطار سياسي مستقر إلى انتشار جماعات مسلحة وصعود تنظيمات متطرفة مثل تنظيم داعش لاحقاً.


وسارت ليبيا في اتجاه مشابه بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، إذ تفككت السلطة المركزية وتصارعت الميليشيات والقوى المحلية على النفوذ والثروة النفطية. بدلاً من بناء دولة جديدة، اتسعت دائرة الفوضى وامتدت آثارها إلى دول الجوار عبر الهجرة غير النظامية وانتشار السلاح.


أما أفغانستان، فقد قدمت مثالاً آخر على محدودية القوة العسكرية. رغم سنوات طويلة من التدخلات والبرامج الدولية، انهارت الحكومة الأفغانية بسرعة بعد انسحاب القوات الأجنبية، وعادت حركة طالبان إلى السلطة، ما كشف هشاشة المؤسسات واعتمادها على الدعم الخارجي.


التحولات السياسية تحتاج إلى مؤسسات لا إلى شعارات

 

يرى الكاتب أن مصر وتونس واليمن والسودان قدمت نماذج مختلفة للتحديات ذاتها. فإسقاط القيادات السياسية أو تغيير الأنظمة لا يكفي لبناء أنظمة مستقرة إذا غابت المؤسسات القادرة على إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية.


ويوضح أن تونس بدت في البداية قصة نجاح بعد موجة الربيع العربي، لكن الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية أضعفت الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. كما واجهت مصر تحديات مشابهة مع تصاعد الاستقطاب السياسي والخلافات بين القوى المدنية والمؤسسة العسكرية.


وفي اليمن والسودان، أدت التحولات السياسية غير المكتملة إلى اندلاع صراعات مسلحة جديدة، بعدما سارعت قوى مختلفة إلى ملء فراغ السلطة وفرض نفوذها.


لماذا يفشل السلام بعد انتهاء الحروب؟

 

يشدد الكاتب على أن بناء السلام يحتاج إلى ما هو أبعد من الانتصارات العسكرية. تحتاج الدول الخارجة من النزاعات إلى مؤسسات فعالة وأجهزة أمنية قوية واقتصاد قادر على التعافي وقيادة سياسية تمتلك شرعية مجتمعية.


كما يطرح تساؤلات صعبة حول التدخلات الخارجية وسياسات تغيير الأنظمة، متسائلاً عما إذا كانت الديمقراطية يمكن أن تنجح في مجتمعات تعاني انقسامات عرقية أو قبلية أو طائفية عميقة دون وجود مؤسسات راسخة تدعمها.


ويختتم تحليله بالتأكيد على أن تكلفة فشل السلام تتجاوز حدود الدول نفسها، إذ تؤدي الفوضى إلى أزمات لجوء وانتشار التطرف وتفاقم الاضطرابات الاقتصادية والأمنية. لذلك لا يُقاس الانتصار الحقيقي بسقوط الحكومات، بل يُقاس بقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والكرامة والأمن والوحدة بعد انتهاء الصراع.

 

https://www.modernghana.com/news/1494318/why-nations-continue-to-win-wars-and-lose-the-peac.amp